ابراهيم بن عمر البقاعي

161

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

في كثير من أقوات العرب وغيرهم ، ثم بالخمر لأنه إذا حصل الري والمطعوم تشوفت النفس إلى ما يتلذذ به ، ثم بالعسل لأن فيه الشفاء في الدنيا مما يعرض من المطعوم والمشروب - انتهى . وأحسن منه أنه لما كان السياق للتعجب في ضرب المثل لأنه قول لا ينفك عن غرابة بدأ بأنهار الماء لغرابتها في بلادهم وشدة حاجتهم إليها ، ولما كان خلوها عن تغير أغرب نفاه ، ولما كان اللبن أقل فكان جريه أنهارا أغرب ، ثنى به ، ولما كان الخمر أعز ثلث به ، ولما كان العسل أشرفها وأقلها ختم به ، ونبه - مع هذا التذكير بقدرته تعالى - على ما يريد بسبب وبغير سبب فإن هذه المشروبات الثلاثة التي بعضها متمحض للشرابية كالخمر وبعضها فيه غذائية وهي فيه أغلب ، وهو العسل ، وبعضها ينزع إلى كل منهما وهو اللبن كلها من الماء مع تمايزها مذاقا وأثرا في الغذاء والدواء وغير ذلك ، فإن الماء أصل النبات ، ومن النبات يكون اللبن والخمر والعسل بما لا يخفى من الأسباب ، وأما الآخرة فغنية عن الأسباب لظهور اسمه الظاهر سبحانه هناك لأنه لا ابتلاء فيها ، وبهذا فهم للترتيب سر آخر وهو أنه تعالى قدم الماء لأنه الأصل لها ، وتلاه بأقرب الأشياء إليه في الشرابية والطبع : اللبن ، ثم بما هو أقرب إلى اللبن من جهة أنه شراب فقط ، ثم بالعسل لأنه أبعدها منه . ولما كانت الثمار ألذ مستطاب بعد سائغ الشراب قال تعالى : وَلَهُمْ فِيها ولما كان أهلها متفاوتين في الدرجات فلا تجمع جنان أغلبهم جميع ما في الجنة من الثمار بعض فقال : مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ أي جميع أصنافها على وجه لا حاجة معه من قلة ولا انقطاع . ولما كان العيش لا يطيب مع الإنصاف بما يوجب العتب ، قال مشيرا إلى أنه لا يقدر أحد أن يقدر اللّه حق قدره ، لأن الرتب متضائلة عن رتبته سبحانه : وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ أي المحسن إليهم بمحو ذنوبهم السالفة أعيانها وآثارها بحيث لا يخشون لها عاقبة بعقاب . لا عتاب وعدم بلوغهم إلى ما يحق له من الشكر سبحانه . ولما أرشد هذا السياق إلى أن التقدير : أفمن هو في هذا النعيم الأكبر المقيم ، بنى عليه قوله : كَمَنْ هُوَ خالِدٌ أي مقيم إقامة لا انقطاع معها ، ووحده لأن الخلود يعم من فيها على حد سواء فِي النَّارِ أي التي لا يطفأ لهيبها ، لا يفك أسيرها ولا يؤنس عريبها . ولما كان كل واحد من داخليها له سقي يخصه على حسب عمله ولا يظلم ربك أحدا . كان المؤثر لضرهم السقي على الكيفية التي تذكر لا كونه من ساق معين ، بني للمجهول قوله مسندا إلى ضمير الجمع قوله تعالى : وَسُقُوا أي عوض ما ذكر من شراب أهل الجنة ماءً حَمِيماً أي في غاية الحرارة فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ * ويمكن أن